فخر الدين الرازي
95
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
المسألة الثانية : قرأ ابن كثير وأبو عمرو ليضلوا بفتح الياء من ضل يضل والباقون بضم الياء من أضل غيره يضل . المسألة الثالثة : اللام في قوله : لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ لام العاقبة لأن عبادة الأوثان سبب يؤدي إلى الضلال ويحتمل أن تكون لام كي ، أي الذين اتخذوا الوثن كي يضلوا غيرهم هذا إذا قرئ / بالضم فإنه يحتمل الوجهين ، وإذا قرئ بالنصب فلا يحتمل إلا لام العاقبة لأنهم لم يريدوا ضلال أنفسهم . وتحقيق القول في لام العاقبة أن المقصود من الشيء لا يحصل إلا في آخر المراتب كما قيل أول الفكر آخر العمل . وكل ما حصل في العاقبة كان شبيها بالأمر المقصود في هذا المعنى ، والمشابهة أحد الأمور المصححة لحسن المجاز ، فلهذا السبب حسن ذكر اللام في العاقبة ، ولما حكى اللّه تعالى عنهم هذه الأنواع الثلاثة من الأعمال القبيحة قال : قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ والمراد أن حال الكافر في الدنيا كيف كانت ، فإنها بالنسبة إلى ما سيصل إليه من العقاب في الآخرة تمتع ونعيم ، فلهذا المعنى قال : قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ وأيضا إن هذا الخطاب مع الذين حكى اللّه عنهم أنهم بدلوا نعمة اللّه كفرا ، فأولئك كانوا في الدنيا في نعم كثيرة فلا جرم حسن قوله تعالى : قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ وهذا الأمر يسمى أمر التهديد ونظيره قوله تعالى : اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ [ فصلت : 40 ] وكقوله : قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ [ الزمر : 8 ] . [ سورة إبراهيم ( 14 ) : آية 31 ] قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ ( 31 ) اعلم أنه تعالى لما أمر الكافرين على سبيل التهديد والوعيد بالتمتع بنعيم الدنيا ، أمر المؤمنين في هذه الآية بترك التمتع بالدنيا والمبالغة في المجاهدة بالنفس والمال ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي لعبادي بسكون الياء ، والباقون : بفتح الياء لالتقاء الساكنين فحرك إلى النصب . المسألة الثانية : في قوله : يُقِيمُوا وجهان : الأول : يجوز أن يكون جوابا لأمر محذوف هو المقول تقديره : قل لعبادي الذين آمنوا أقيموا الصلاة وأنفقوا يقيموا الصلاة وينفقوا . الثاني : يجوز أن يكون هو أمرا مقولا محذوفا منه لام الأمر ، أي ليقيموا كقولك : قل لزيد ليضرب عمرا وإنما جاز حذف اللام ، لأن قوله : قُلْ عوض منه ولو قيل ابتداء يقيموا الصلاة لم يجز . المسألة الثالثة : أن الإنسان بعد الفراغ من الإيمان لا قدرة له على التصرف في شيء إلا في نفسه أو في ماله . أما النفس فيجب شغلها بخدمة المعبود في الصلاة وأما المال فيجب / صرفه إلى البذل في طاعة اللّه تعالى . فهذه الثلاثة هي الطاعات المعتبرة ، وهي الإيمان والصلاة والزكاة وتمام ما يجب أن يقال في هذه الأمور الثلاثة ذكرناه في قوله تعالى : الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ [ البقرة : 3 ] . المسألة الرابعة : قالت المعتزلة : الآية تدل على أن الرزق لا يكون حراما ، لأن الآية دلت على أن الانفاق